القاضي النعمان المغربي

61

تأويل الدعائم

علي بن أبي طالب عليه السلام : « للعابد ثلاث علامات الصلاة والصوم والزكاة » . تأويل ذلك أن العابد في باطن التأويل هو المتعبد للّه ولأوليائه من المؤمنين المعترف بولايتهم الواقع تحت أمرهم ونهيهم وطاعتهم ، وأن علامة ذلك فيه القيام بما أخذ عليه في دعوة الحق التي هي باطن الصلاة وكتمان ما استكتمه فيها وذلك باطن الصيام والطهارة من كل عيب ودنس ، وذلك مثل الزكاة على ما قدمنا ذكره في بعض وجوهها وتزيد أحواله في الخير وتمسكه بحجة زمانه وذلك مثلها في الوجوه الآخر على ما بيناه ، ويتلو ذلك ما ذكر عن أمير المؤمنين على صلوات اللّه عليه أنه قال في وصيته : وأوصى ولدى وأهلي وجميع المؤمنين بتقوى اللّه ربهم ، واللّه اللّه في الزكاة فإنها تطفئ غضب اللّه ربكم ؛ وهذا في الظاهر هو وصية منه عليه السلام لمن وجبت عليه الزكاة في ماله أن يدفعها إلى من يجب له قبضها من ولده ، ووصية منه لمن يجب له قبضها أن يصرفها في وجوهها التي أمر اللّه عز وجل بصرفها فيها ؛ وتأويله في الباطن أن يعمل المؤمنون بما يزكيهم عند أولياء اللّه وأن يزكى أولياء اللّه من ولده الذين هم أئمة دين اللّه ، والقوامون على عباده من استحق أن يزكى منهم فيطهرونهم بالعلم الحقيقي الّذي به يكون طهارة الأرواح الباقية في الدار الآخرة . ويتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله أنه قال في الزكاة : إنما يعطى أحدكم جزءا مما أعطاه اللّه فليعطه بطيب نفس منه ، ومن أدى زكاة ماله فقد ذهب عنه شره . فظاهر هذا أمر وترغيب لمن وجبت عليه الزكاة في ماله أن يدفعها إلى من وجب له قبضها من أوليائه عليهم السلام أو من أقاموه لقبض ذلك ممن هو عليه وأنه إذا أدى ذلك ذهب عنه شره ، وذلك مما تقدم ذكره من أن طهارة المال إخراج الزكاة منه فإذا أخرج المؤمن زكاة ماله كان الباقي في يديه حلالا طاهرا له إذا اكتسبه في حقه فذهب بذلك عنه شره وإن هو لم يزكه كان غير طاهر ؛ لأن الواجب فيه من الزكاة ليس هو من مال من هو في يديه وقد اختلط بما في يديه منه فصار كله حراما عليه ، وذلك مثل الطعام والشراب الحلال يخالطه غيره من الحرام فلا يحل أكله ولا شربه حتى يزول عنه ما خالطه من الحرام الّذي تداخله ؛ وتأويل ذلك في الباطن أن المال مثله في الباطن كما تقدم القول بذلك مثل العلم وقد أوجب اللّه جل وعز في العلم الزكاة على لسان رسوله محمد